ذكريات أيام مضت


    في بلدة صغيرة وفي ليال الشتاء الباردة وتحت زخّات المطر ، تعيش أنجي في منزل متواضع مع أسرتها المتواضعة والمتوسطة الحال . يحيط بهم العديد من الجيران المتواضعين مثلهم وتربطهم ببعض علاقة طيبة ومحبة ، ففي كل يوم تجتمع كافة الأسر في منزل احدهم ويتناولون مع بعضهم البعض الغداء ، وما ان ينتهوا حتى ينطلق الاطفال للعب مع بعضهم وتجلس الامهات تتسامر مع بعضها بالأحاديث التي تدور حول العديد من القضايا ، ويجتمع الاباء لتكوين مستقبل أفضل لعائلاتهم . حتى الفتيات المراهقات يجتمعن ويتناوبن الحديث عن طموحاتهن وأحلامهن .
   كانت أنجي هي الفتاة الوحيدة التي كانت دائما تجلس بمفردها لتكوين حلمها الوحيد بأن تصبح إعلامية تسافر عبر مناطق العالم وترى العديد من الاماكن ، كان الجميع يجلسون يتشاركون الحديث عداها . في يوم من الايام وبعد انطلاق الجميع لمنازلهم ، جلست بمفردها في غرفتها تنظر عبر النافذة وترى قطرات المطر التى تنهار على الزجاج ، ومن خلفها تلك الاشجار التي تقف وحيدة في البرد وينهار عليها المطر بغزارة . كانت دائما ما تشّبه نفسها بتلك الشجرة الوحيدة التي تقف وسط الكم الكثير من الاشياء حولها


    أخذها التأمل بعيدا حتى غفت على شرفة منزلها ، وبدأت ليلة كبيرة من الأحلام ، أخذها عالمها الى مكان أبعد بكثير عن الإعلام والسفر عبر بلدان العالم ، في حلمها أتاها شاب وسيم تعلوا ملامح وجهه ابتسامة كبيرة ، وكانت هي تبدو كالأميرة في لباس ابيض وعلى رأسها تاج يتوهج من الكريستال ، وإذا بهذا الشاب يأخذ بيدها وينطلق بها الى عالم ملئ بمساحات خضراء واسعة ، ووسط هذه المساحات العديد من البحيرات النقية وطيور البجع التي تسبح في تلك البحيرات ، وأشجار الثمار التي تنوعت بجميع أنواعها ، وهي تتمشى مع ذلك الشاب وتركض وسط هذه المساحات الخضراء ، وتتمعن النظر في عيني هذا الشاب الذي لا تعرف اسمه حتى !!
   استيقظت في صباحها وروحها لا تزال مع هذه الشاب وفي هذا المكان ، استيقظت وعيناها تملاهما الكثير من النظرات الراقية والصافية ، والابتسامة الكبيرة على شفتيها ، فهي لم ترى يوما مكان كهذا بالرغم من وجودها في بلدة ريفية صغيرة متواضعة . جلست لتتناول الفطور مع والديها وهما في دهشة من رقي عيناها ونظراتها المليئة بالفرحة !!
اكملت يومها وهي تحاول رسم ملامح هذا الشاب الذي التقته في حلمها وتغمرها الكثير من الابتسامة على شفتيها .. كلما نظرت والدتها عليها وهي تجلس على شرفة المنزل تراها هائمة في السماء تحاول تذكر هذا الحلم مرارا وتكرارا ..
      في المساء ، توجهت الى غرفتها وجلست بجانب نافذتها وهي ترى قطرات المطر ايضا تنهار على تلك النافذة ، ما لبثت حتى غفت على النافذة ، وعجبا ! حلمت بنفس الشاب مرة أخرى ، هذه المرة كانت متأكدة انها ستراه . انطلقت مع الشاب مرة اخرى في نفس المساحة الخضراء ولكن هذه المرة بدأ كلا منهما التحدث للأخر عن المستقبل ، وماذا ينوي ان يفعل ، كانت تدور بينهم الكثير من الاحاديث ، وبدات هي تنهال عليه بالاسئلة ، كيف ومن اتى هذا الشاب ومن هو ؟ لكن ، لم يجيبها على أي منها

   استمرت أياما عدة وهي تحلم بهذا الشاب وكل يوم تستيقظ والفرحة تملئ روحها وعيناها ، أصبحت تنتظر المساء بفارغ الصبر حتى تأوي لتلك النافذة وتغفوا عليها ومن ثم تنطلق الى عالمها بمفردها مع فارس احلامها التي لا تعرف اسمه حتى !!
   استمر الحال هكذا قرابة شهر كامل وكانت كل يوم تذهب لمكان أفضل من المكان الذي التقيا فيه لأول مرة . كانت انجي في سنتها الاخيرة في الثانوية وما ان اكملت هذه المرحلة وبعد نجاحها ، بدأت تعد نفسها للانطلاق الى المدينة لتكمل دراستها الجامعية هناك .
    استيقظت في اليوم الذي ستنطلق فيه وقد أتمت حزم حقائبها ووالدتها تودعها وتؤكد عليها ان تعود لزيارتهما في الاجازة الصيفية ، انطلقت مع والدها الى محطة الحافلات لتذهب الى المدينة ، كانت تجلس مع والدها في محطة انتظار الحافلات والفرحة تملئ عيناها انها اخيرا ستخرج من تلك البلدة الصغيرة وترى مستقبلها في كلية الاعلام كما رغبت منذ صغرها .
   أخيرا وصلت الحافلة التي ستقلها الى المدينة ، نظر اليها والدها بنظرة مودع قائلا : لقد كبرتي يا صغيرتي والآن ستعتمدين على نفسك وأرجوا ألا تقعي في الاخطاء والمشاكل ، وأرجو ان تعودي اليّ وأنتي محققة كل ما حلمتي به . ركبت انجي الحافلة وذهبت مسرعة للجلوس بجوار النافذة حتى ترى والدها قبل ان تنطلق ، اعطته قبلة من خلف نافذة الحافلة وأشارت اليه ان يعود قبل ان تمطر السماء عليه ، ثم انطلقت الحافلة وظل والدها ينظر لتلك الحافلة حتى اختفت من امام ناظريه .
   طوال الرحلة ظلت انجي تنظر من زجاج الحافلة وترى العديد من الطرقات الطويلة والأشجار الوحيدة التي تقف بعيدة على جانبي الطريق ، وتتأمل الثلج الابيض الذي ملأ الطرقات وتتمنى أن تغفو لترى فارس احلامها مجددا . بالفعل غفت ، ورأت فارس احلامها وذكرت له انها تركت بلدتها وتتوجه الان الى المدينة لإكمال دراستها في الجامعة . طوال حلمها وهي تهيم في عالم ملئ بالفرحة والسرور مع ذلك الشاب ، ثم استيقظت ولكن هذه المرة وهي تسمع صوت سائق الحافلة يوقظها بأنهم وصلوا المدينة .
   حملت حقائبها واستقلت عربة أجرة وانطلقت الى الجامعة وقدمت اوراقها الرسمية الى المسئولين ومن ثم توجهت الى سكن الجامعة واستقرت في غرفة مطلة على مساحة خضراء وتتوسطها نافورة متجمدة .
   غفت بعد يوم طويل ورحلة طويلة وعندما غفت لم تحلم شيئا هذه المرة . فقط  استغرقت في نوم عميق . استيقظت في اليوم التالي وتوجهت مباشرة الى جامعتها وتعرفت على الكثير من أصدقائها. انتهى اليوم في الجامعة فاستهلت الفرصة في التعرف على المدينة وأخذت تجوب شوارعها للتعرف على ملامحها وعلى عالم المدينة المليء بالضوضاء . أنهت اليوم وتوجهت الى غرفتها في سكنها الجامعي وأخذت تدرس قليلا وبعد وقت طويل توجهت لفراشها لتنام واستغرقت في نوم عميق .
   في حلمها ، لم تلتقي بفارس احلامها للمرة الاولى منذ ان حلمت به ، استيقظت في الصباح وشعرت ان هناك خطب ما بها . توجهت الى جامعتها وبدا كيوما عاديا ، لكن عندما تجلس وحدها تظل تتذكر هذا الشاب الذي لطالما تعلقت به والذي كان سر بسمتها وفرحها ، لكن تظل طوال الوقت تحدث نفسها وتقول أنه مجرد شاب قابلته في حلمها ..
   مر اليوم عاديا ، وتوجهت الى مسكنها وفي غرفتها بدت تشعر بالوحدة  ، فكل مرة كانت تجلس فيها كانت تعلم يقينا انها سترى فارس احلامها في منامها . ظلت طوال الوقت تقنع نفسها انه مجرد وهم من خيالها وبدات تدرس حتى فرغت من الدراسة ، وتوجهت مباشرة الى النوم . أغمضت عينيها وهي تامل ان تراه ، أيضا هذه المرة لم ترى فارس احلامها ، وعند الاستيقاظ  في الصباح انتابها حزن عميق ، فكل مرة كانت تذهب مع هذا الشاب الى عالم خيالي وعالم شعرت به بكل اهتمام وحب . لبست ثيابها وتوجهت الى جامعتها كالعادة لكن هذه المرة كان حالها اسوا . فعيناها التي تملاهما الدموع والحزن والصمت الذي احاط بها  من كافة الجهات ، اعتزلت اصدقائها وجميع من حولها . كانت تمضي الكثير من وقتها وحيدة لكن تغلبت على ذلك بالانهماك في المذاكرة والاتصال دائما بوالدتها ووالدها .
   استمر حالها هكذا حوالي 3 اشهر وكانت تقريبا قد بدأت تتخطى هذه المرحلة من حياتها ، والذي ساعدها على ذلك قرب امتحاناتها النصف نهائية ، فظلت تمضي الكثير من وقتها في الذهاب الى مكتبة الجامعة والمذاكرة . وفي أحد الايام وهي تجلس وحيدة في المكتبة ، فاجأها اصدقائها وأقنعوها بمغادرة المكان قليلا والتنزه معهم في احد الاماكن الترفيهية او الخروج في احد المطاعم . ذهبت مع صديقاتها الى احد المطاعم وجلسوا هناك معظم اليوم وامضوا يوما رائعا مع بعضهم ، ثم توجهت انجي الى مسكنها والتعب يغمرها ، دخلت في نوم عميق استعداد لليوم التالي .

   في بداية هذا اليوم ، استيقظت مبكرا وذهبت تتمشى في شوارع المدينة الهادئة نوعا ما ، ونسمات البرد الخفيفة التي تداعب وجهها وهي تتامل شروق الشمس . بعد وقت قصير توجهت الى احد المطاعم لتتناول طعام الفطور وهذه ليست عادتها ، وبعد تناولها لطعام الفطور ، بدأت الغيوم تغطي السماء وحبات الثلج الهش تتساقط على المدينة ، تذكرت حينها مدينتها الصغيرة وأهلها ونافذتها التي كانت دائما تغفوا امامها . أثناء ذلك انهارت دموعها من عينيها وحاولت جاهدة عدم لفت الانظار اليها . وبعد فترة قصيرة غادرت المكان وتوجهت الى مكتبة المدينة لتستكمل دروسها هناك .
  عند وصولها الى مكتبة المدينة ، صعدت لاعلى طابق في المكتبة وجلست بجوار النافذة تستذكر دروسها وبين كل حين واخر تتمعن النظر في المساحات البيضاء الناتجة عن الثلج المتساقط . بعد ان انهت دروسها ، نزلت الى الشارع وتوجهت الى مسكنها ، لكن في الطريق شعرت ببعض الجوع ، فتوجهت الى مطعم وطلبت الطعام وجلست على احدى الطاولات لتتناول غدائها .
جلست بجوار احدى النافذات وهي تتساءل كيف مرت عليها الايام ، وكيف  هي الان اصبحت طالبة جامعية مسؤلة وقد تركت خلفها ايام كثيرة من الهدوء والذكريات البريئة . فهي تظل في نهاية الامر مجرد ذكريات .. 


تعليقات