25 أكتوبر .


                                    


  كان من المستحيل أن أعيش اليوم الذي سأودعك فيه للأبد، كانت مجرد فكرة مزعجة تتردد في عقلي الباطن بين الحين واﻵخر. توقعت ذلك اليوم، أحضرت خطتي، وأعددت نفسي لتلك اللحظة، لكن دائماً لكل حادث حديث .
  

   بعد أن أعددت حقائبي للرحيل، وضممت أخر كلماتك، وهمساتك داخلي، نظرت لتلك الأريكة التي لطالما إحتضنتنا سوياً أيام الشتاء. قرأنا المزيد والمزيد من قصص الخيال، والسخافات الإبداعية التي لطالما كانت شغفنا، وضحكنا كثيراً عليها.
 
  وقفت ملياً أنظر لزوايا غرفة نومنا، كل زاوية، تحكي عن مغامرة جديدة كل يوم، وضعت حقائبي وارتديت ملابسي، وجلست على سريري أنتظرك طوال اليوم، دون ملل أو كلل . رأيتك قادماً نحوي، وتعلو وجهك إبتسامه لطالما عشقتها دون تردد، تلك الإبتسامة التي فتحت في قلبي عالماً سحري من الدهاليز، والأنفاق لتتوه أنت بداخلي .

   أخبرتني_بضحكة بريئة وفاتنة_ أنك مرهق اليوم، و تريد وجبة خفيفة، ثم تذهب في نوم عميق . سألتك حينها مغازلةً إيّاك : هل من هناك مغامرة تود ذكرها الليلة ؟ أمسكت بيديّ برّقة ﻻ توصف كعادتك، وأخبرتني أن هناك دائما مغامرة تنتظرني .

   تناولنا وجبتنا الخفيفة، في عشاء رومانسي، ملكي، داخل عشّنا الصغير، وما أن إنتهينا، حتى وجدت نفسي أرقد بين أحضانك الدافئة تلك. بدأت تقص عليّ مغامرة، وقصة جديدة حتى غلبني النوم، وتركتك تكمل قصتك وحدك.

  في الساعة الواحدة صباحاً، استيقظت مسرعاً لترد على ذلك الهاتف المفاجئ الذي رن جرسه دون سابق إنذار، لتتغير كامل حياتك وحياتي للأبد .


   ذلك الهاتف الذي أحيا الكثير من الماضي، و الذي دفن بين طيات الأرض، وتحت صخورها. إتصلت بك طبيبة من المشفى القريب من منزلنا، تدعوك للقدوم فوراً دون أي تأخير. نظرت إليك ووجهك الشاحب أراه فقط في الضوء الخافت، القادم من نافذة الغرفة، أنادي عليك : أحمد ، هل أنت بخير ؟!

   تنظر إليّ دون كلمة تذكر، فتحت خزانة الملابس، وارتديت ما وجدته أمامك، ثم إنطلقت مسرعاً بسيارتك لتلك المستشفى . كنت نائمة حينها، وأشعر بنعاس شديد، غفوت ورأسي ﻻ يزال يفكر مالذي جرى ! ثم غلبني النعاس . 


  استيقظت في الصباح، محاولة تذكر، هل كنت أحلم أم ما الذي حدث ؟ أسرعت لهاتفي كي أتصل بك فلم استطيع أن أجد رقم هاتفك بين تلك الأسماء الكثيرة ، 


   عجبا !! أين الرقم ....؟

  حاولت تذكره، وبالكاد كتبته، اتصلت بك لأفاجأ بتلك الفتاة الغريبة التي ترد وفي صوتها نبرة حزن !!
حسناً، معكي " منى " : هل أحمد موجود ؟ 


  في قلق وحزن أجابتني الفتاة : نعم إنه هنا ، لكنه أصيب في حادث سير منذ ساعات الفجر ! 


   حادث سير في ساعات الفجر ؟! دون تردد، أرتديت ملابسي، وخرجت للشارع موقفة أول تاكسي يصادفني، وانطلقت الى المشفى . 


   وصلت المشفى أبحث في عنك في كل مكان .. عنك أنت يا أحمد .. أرى أطباء هنا وهناك، وﻻ أحد منهم يخبرني أنك مسجل في المشفى، أوأنك وصلت فجر اليوم !! إنتابني إحساس بالغباء للحظة، وتنهدت ثم حاولت سؤالهم مرة أخرى .. لكن لم أجدك، ليس هناك أحد مسجل بهذا الإسم وصل هذا الصباح .!


   خرجت عائدة إلى منزلنا، أنظر لهاتفي الذي تذكرت أنني لم أجد رقمك مسجلاً حين طلبتك منذ قليل. وصلت المنزل، جلست ملياًّ أتذكر مالذي حدث. أحاول الإتصال بك يا أحمد، لكن تلك الفتاة سئمت محاوﻻتي، وأغلقت الهاتف ! 


   طوال اليوم، وأنا في حيرة من أمري، لقد تركتني منذ بضعة ساعات فقط، وها أنت تعرضت لحادث، وﻻ أستطيع حتى أن أجدك في أي مشفى، وﻻ حتى رقم هاتفك مسجلاً على هاتفي !! 


  أخذت أجهش في بكاء شديد، وغلبني النوم بعد يوم كامل دون أن أفعل أي شيئ يذكر . 

  في العاشرة مساءاً، أستيقظت على صوت باب المنزل يغلق، رأيتك واقفاً أمامي يا أحمد، تبتسم لي، تلك الإبتسامة التي لطالما أسرت قلبي .


 طرت فرحاً، وإحتنضتك كثيراً كأن روحي عادت إليّ، وأنا أسألك مئة سؤال في وقت واحد . حملتني لغرفتنا، وأجلستني على تلك اﻷريكة فيها كعادتك، وهمست في أذني بكلمات ليتني لم أسمعها يوماً قط. 

  كانت همساتك تخبرني الآتي:-


 أنني دائماً أراك بجواري، وأشعر بك كأنك معي، وتعيش معي في غرفتي، وحياتي. لكني كنت أنكر دائماً أنك وفي ذلك اليوم، يوم الخامس والعشرين من أكتوبر العام الماضي، قد توفيت في حادث سير، حين إتصلت بك طبيبة من المشفى، لتأخذك من بين أحضاني، و دفئي، وتخبرك بوصول فتاة صغيرة بين الحياة والموت، بعد أن تعرض منزلها وعائلتها لحريق هائل.

  تلك الفتاة والطبيبة اللتان لن أسامحهما قط .. لن أسامحهما،
 فقد تسببا في فقداني لك للأبد.
 

   نظرت إليك، وفي عيني حزن ﻻ يوصف قلت لك : لماذا أنت هنا اليوم يا أحمد ؟ همست إليّ قائلاً : أنظري للتاريخ، قد يجيبك على سؤالك، واﻵن : سأضطر أنا للرحيل .!!

  أدركت بعد ذلك، أنني لم أمحي تاريخ تلك الحادثة من منبه الهاتف .. وكلما دقت الساعة مشيرة إلى الواحدة صباحاً، في الخامس والعشرين من أكتوبر هذا العام أو أي عام قادم، سأستيقظ لأتذكر_بل أعيش_ تفاصيل كل ماحدث تلك الليلة !!


     لم أجد رقم هاتفك، لأنني كنت قد حذفته من قائمة هاتفي لعلي أنساك يوماً ما.

   حتى أنت، أصبحت بالنسبة إليّ، مجرد خيال من عقلي الباطن لن يفارقني ما حييت،والذي يظهر أمامي، في خمسة وعشرين أكتوبر من كل عام.!

  أيامي بعدها لم تتغير يا أحمد.. سأظل حبيسة أيامك وذكرياتك للأبد _حبيبي .! 

تعليقات