في بيت الأشباح ( قصة حقيقية ) ..






لأول مرة أكتب عن قصة واقعية حدثت لي بالفعل ، كانت في منزل ملئ بالأشباح التي لا أعلم كم عددها ، لكنها كانت موجودة بالفعل .

     هذه الحادثة حدثت في العام 2005 كنت في الرابعة عشر من عمري ، أنا ووالدتي وأخوتي فقط رحلنا عن مدينتنا في المملكة العربية السعودية متوجهين لأرض الوطن ، مصر ، تاركين والدي في عمله  . قضينا إجازتنا في متعة وفرح ونكد كالعادة وعدنا الى السعودية مرة أخرى . كنا قد استأجرنا منزلا متواضعا يتبع مكتب والدي الذي يعمل فيه ويقع في الفناء الخلفي للمكتب .
 
    المنزل المتواضع مدخله عبارة عن ممر طويل ضيق في نهايته ثلاث غرف على الجانبين ودورة مياه في الواجهة . الغرفة التي على اليمين كانت متوسطة الحيز تحتوي على سرير ومكتب كبير ، والغرفة المقابلة لها كانت مايشبه أرشيف لملايين الملفات المهملة منذ سنين ، تتوسطهما دورة المياه . الغرفة المجاورة لغرفة الارشيف كانت كبيرة الحيز مكيفة تكيفا مميزا وتحتوي على الكثير من الأسرة والبطاطين .  لها نافذتين في جدار ونافذة كبيرة في جدار أخر مجاور للجدار الأول ذو زجاج بوجهتين ( عاكس ) يخفي مابداخل المكان . هذه الغرفة كانت بطلت الحكاية ، 

انطلقوا معي في بيت الأشباح .

     أول ليلة وبعد عودتنا من السفر تناولنا العشاء وجلوسنا مع والدي واتفقت الأسرة على اختيار الغرف ، فكان إختيارنا نحن الأبناء للغرفة الكبيرة ذو الطابع الفندقي ، ووالدي في الغرفة الأخرى أسميناها الغرفة الرئيسية . كان ما يرعبني في غرفتنا هو أن مفاتيح الإضاءة تقع على الحائط المقابل للباب ، بمعنى أنك ستضطر لقطع الغرفة عرضا للوصول لمفاتيح الإضاءة كي تضيئها وتضئ الممر الضيق ، لا أدري أين كان عقل المهندس مصصم المكان ؟!
   عند الساعة العاشرة ليلا وإنطفاء الأضواء وحل الليل ساكنا ، خلد جميع أخوتي في نوم عميق وأنا أيضا كنت على وشك الوصول لهذا العمق بين الغفوة واليقظة عندما سمعت نافذة من النافذتين اللتان تقعان فوق سريرنا تنفتح ببطئ وتنغلق ، تنفتح وتنغلق ، عدة مرات وفي كل مرة كان المجال الذي يفتح أوسع من الذي قبله . كل ما قلته هو أني ناديت على أخي الصغير كي ينام ويكف عن اللعب .! وانقضت الليلة لا أدري ماذا حدث بعد ذلك أو من كان يرافقنا تلك الليلة .

    الليلة الثانية و في الصباح وبعد تناول الفطور نسيت تماما ما حدث بالأمس ، خرج والدي للعمل وإخوتي يتبادلون حديث الصباح مع والدتي في غرفتها ، توجهت لغرفتنا كي أبدأ أعمال التنظيف والترتيب فيها . و أنا منسجمة كربة منزل لديها أربعة أولاد تذكرت ما حدث ، ونظرت للنافذة التي فتحت ، قلت في نفسي سأرى ما وراء تلك النافذة ، لعله منزل أو شارع وأحد المارة أو السكان كان يتلصص علينا نياما !. وضعت شال على رأسي وعند النافذة ، أخذت أفتحها شيئا فشيئا كي لا أتفاجأ بوجود أشخاص . وما أن فتحت النافذة ، حتى رأيت مكانا مهجورا مغلقا ويبدو بأنه فرن قديم مبني تسكنه القطط ، نعم الكثير من القطط ، ولا يوجد أي مكان يسمح بتواجد أشخاص فيه . أغلقت النافذة ولم أعطي إهتماما وأكملت عملي كربة منزل . 


    في نفس الليلة ، حضر والدي بعد الغداء ليصطحب والدتي لشراء بعض الحاجيات وعاهدونا بأنهم سيعودون قبل صلاة العشاء . أغلق والدي المكان وجلست مع أخوتي في الغرفة الرئيسية نتبادل الحديث عن الأقارب الذين زرناهم . أتتنا أفكار إقتبسناها من أفلام الرعب التي أدمناها وأمرتنا بالتوجه لغرفة الأرشيف ، كنا نستخدمها كمكان لتجفيف الملابس ومطبخ صغير . دخلنا جميعنا غرفه الأرشيف (الأسرار) وبدأنا في البحث بين الملفات . لا ندري عن ماذا نبحث  ، فقط الغبار الكثيف يغطي المكان . خرجنا وعدنا إلى غرفة والدينا ومعنا إبريق من الشاي أعددناه أثناء التواجد في الغرفة . بعد أذان المغرب توجهت كي أتوضأ وأصلي ، وأنا على وشك الخروج من الغرفة وقعت عيني على غرفة الأرشيف المقابلة ، أقسم أنني رأيت  وجها رماديا لطفلا صغيرا ينظر مباشرة نحوي  ويلوح بيده اليمنى لي بحركة ( باي باي ) ويجلس مسترخيا على أعلى الباب. وقفت في صمت تام وعلامات إستفهام تتراص أمامي ، وأتتني الجرأة أن أحدث أخوتي بما رأيته . فبدأ الجميع بتوجيه عبارات السخرية والمزاح نحوي . لم أعطي للأمر إهتماما كبيرا أيضا ، توضأت وتوجهت لغرفتنا كي أصلي المغرب في سلام ، دخلت الغرفة ، وبدأت أصلي وفي الركعة الأخيرة قبل التسليم ، سمعت ما يشبه همسا خلفي وبعد عدة دقائق ، كان الهمس يرتفع بكلام غير مفهوم شيئا فشيئا . كنت قد بدأت أضيع في تلاوة التحيات الأخيرة ، حاولت التركيز قدر الإمكان وسط غضب على إخوتي الذين يجلسون خلفي دون مبالاة . ما أن أنهيت من التحيات قبل التسليم ، شعرت بذلك الشعور بالقشعريرة التي سارت في جسدي بقوة مولد كهرباء لم أشعر بها من قبل ، لينتفض جسدي على سجادة الصلاة وكأن درجة الحرارة أربعون تحت الصفر . بعد الصلاة جلست كصخرة في مكاني وبدأت أتلو أية الكرسي سمعت صوتا يردد معي الآية بصوت متحجرش ( مببحوح ) ، شعرت بهواء حار شديد يأتي من خلفي . أتذكر أنني قبل النظر خلفي كان لساني يردد سورة " الفلق " لا أدري متى بدأت تلاوتها .!!!! . مرت الليلة بسلام وأتى والدينا وجلسنا نتفقد مشترياتهم ولم يعلم أحد بما جرى معنا ، أو معي .!

     الليلة الثالثة ، لا أدري تفاصيل اليوم ولكننا كنا قد بدأنا للتجهيز كي نرحل عن المكان والإنتقال لمدينة مجاورة لنستقر فيها . خرج والديّ بعد صلاة المغرب ومعهم ورقة دونت فيها طلبات بريئة لنا ، جلسنا نمرح في المكان وكان الشاي رفيقنا بعد كل ساعة . بعد العشاء حان وقت فتح أكياس المشتريات بعد وصول والدينا ، كل منا أخذ طلبه وفي كيس خاص بكل شخص وضعت الأشياء . طلب مني والدي أن أحضر له منشفة وكنت قد وضعتها في غرفتنا على كرسي كبير دوار كي تجف ، تذكروا أننا بعد العشاء وأن هذه الغرفة الغبية والممر صممت مفاتيح إضائتهما في الحائط المقابل للباب . سرت في خطى ثابته وما أن وصلت إلى ذلك الكرسي ، وضعت يدي على مفتاح الإضاءة كي أضئ الغرفة ولكن نظري سقط على الكرسي وعليه منشفة بيضاء ، أقسم لكم أنني رأيت الكرسي يتحرك يمينا ويسارا ثلاث مرات . تسمرت يدي على المفتاح ، هلع أنصب بداخلي كأسمنت في قاعدة مبنى ، قلبي أخذ بالخفقان لدرجة أنني شعرت أن روحي أبتدت تنساب مني نحو الخارج ، صوتي قُطع ولم أستطيع أن أنادي على أي حد من أهلي ، سرت في عالم أخر لا أرى فيه سوى الكرسي الذي يتلاعب أمامي يمينا ويسارا ، تحجر جسدي في مكان وعالم ما !!!! . يدي على مفتاح الإضاءة أقف كعمود خرسانة ليس به روح ، الغرفة مظلمة ، واليد الأخرى تقترب نحو المنشفة ببطئ لم أعهده . أخذت المنشفة ومشيت نحو الباب وجسدي متحجر تماما وما أن وصلت للباب حتى شعرت كأن أربعة الآلآف واط  سرت في جسدي مرة واحدة ، قفزت في الهواء مسرعة نحو غرفه والدي في صراخ يعم المكان . دب الخوف والإرتباك وسط العائلة والكل يحاول فهم ما أقوله ، و

أنا أسرد ما رأيته في هلع وتخبط . بعد فترة وجيزة هدأت قليلا وقصيت قصتي على والدي وكان يفترض إفتراضات بأنها مجرد هلوسة وتخيلات .! في هذه الليلة ، حلفت أنني لن أدخل تلك الغرفة مرة أخرى أبدا ، فحدث تبديل في الغرف ، ونمنا في الغرفة الرئيسية أنا وإخوتي . والديّ قضوا الليلة في الغرفة الملعونة ، ومرت الليلة ونحن نتبادل الحديث عما رأيته وذكرتهم بوجه الطفل ، وقصيت عليهم ماحدث في صلاة المغرب . 

    في الصباح ، مضى اليوم بسلام وجهزنا حاجياتنا للرحيل . رأيت والدتي تنظر إلينا ووجدتها تقص علينا ما جرى بالأمس ، ذكرت لنا أنها عندما غلبها النوم وجدت نافذة الغرفة تفتح وتغلق عدة مرات . ظلت مستيقظة كي تتأكد مما تراه ، وظلت تفكر في أن أحدهم قد يكون يتلصص عليهم . عند الصباح ، فتحت النافذة لترى ما خلفها فوجدت المكان المهجور ، وهنا تأكدت مما كنت أقوله . في نهاية اليوم ، أستعدت العائلة للمغادرة ، وغادرنا بسلام وإلى الآن كلما مررت على هذا الشارع وجدت المنزل مظلما كئيبا لم يسكنه أحد بعدنا . 

تعليقات