" الرضا والقناعة " ,,



   اليوم الإثنين، بتاريخ 10 نوفمبر 2014، كالعادة في طريقي لجامعة القاهرة مستقلة المترو، بدأت خط سيري من محطة شبرا الخيمة منتظرة وصول القطار إلى الجامعة.


  جلست على مقعد، متناسية جميع من حولي، لا أهتم كثيراً للأشخاص هناك، ولا أنظر إليهم كي لا يطلقوا عليا بعض الصفات في نفوسهم، حسناً ..

   أرجعت رأسي للخلف، أغمضت عيني، وإبتدأ شريط الذكريات يُعرض أمامي. ذكريات لم ولن أنساها، شعرت بعدة مشاعر مختلفة، حزن، فرحة خفيفة، إشتياق، غضب، توتر، جميع المشاعر تكونت وتكومت، في نصف ساعة.

   قاطعت شريط الذكريات قبل أن أندمج معه وتبدأ " المناحة الداخلية " لي كالعادة. نظرت حولي، نحن في محطة " محمد نجيب " قبل محطة الجامعة بعدة محطات ليست بكثيرة، دخلت للعربة فتاة عادية كبقية الفتيات، لكن ما جذب إنتباهي هو صوتها العالي، الذي يسأل عن محطة مترو الجامعة في أي طريق، يمين أم يسار ؟!

  إنتابني الصمت، ونظرت إليها بنظرة " سخيفة "، قلت في نفسي " أتمزحين ، تستقلين عربة مترو ولا تدري الى أين إتجاه يسير، يمينا أم يسارا ؟ " حسنا ،،من الأفضل أن أعود لشريط الذكريات الخاص بي..! 

   في تلك اللحظة، وجدت سيدة في الخمسين من عمرها، أو أكثر، لكنها بصحة جيدة، تجلس بجواري ولاحظت تعابير وجهي عندما تحدثت الفتاة.


   نظرَت إليها بنظرة غريبة أيضاَ وقالت في نفسها " دول بنات الأيام دي ، ماشيين مش عارفين لهم راس من رجلين، يعني مش عارفه محطة الجامعة فين ؟".

  كانت تقف أمامنا شابه إبنة الستة وعشرون عاماَ، وسمعت ما ذكرته السيدة وهي تحدث نفسها، وهنا بدأ حوار العربات اللطيف .. 

   تحدثت السيدة عن أن جيل الشباب هذه الأيام لم يعد يريد أن يفعل شيئا سوى اللهو، واللعب طوال الوقت، و وجهت لي سؤال،

" يعني هي داخلة ومش عارفه هي رايحة فين ؟

- " ابتسمت لها إبتسامة خفيفة وقلت لها " يمكن أول مرة تركب مترو " . 


- كان رد السيدة صادماً : " حتى لو لأول مرة، أنتوا جيل الشباب عايزين كل حاجة على الجاهز، المفروض قبل متنزل من بيتهم، تبقى عارفه هي رايحة فين وجاية منين. وبعدين اللي يعرف يقرأ ويكتب مش هيغلب " .


- نظرت للشابة التي تقف أمامنا وقلت لها : فعلاً. 


  تحاورنا في أن جيل الشباب، لم يعد يهمه سوى محادثات الإنترنت، واللهو واللعب، ولا أحد يسعى لكسب رزقه، أو محاولة الفلاح في أي شئ يذكر.!


           هنا ،، قصت علينا السيدة قصتها البسيطة،،

   هي سيدة، وأم لإبنتين متزوجتين، وشاب لا يزال في الجامعة، تعمل مدبرة منزل لسيدة ذات منصب_لن أفصح عن إسمها بالطبع_ .

  روت لي ولتلك الشابة، أنها عندما ذهبت للحج والعمرة لأول مرة، لم تسأل أحداً قط عن أي مكان فقط ، أنها تعرف تقرأ اللوحات المعلقة وبذلك لن تتوه.

  بدأت تعطينا بعض النصائح في السعي للرزق، والعمل، والإجتهاد، وعندما علمت أننا في الجامعة، نكمل في دراسات عليا، ابتسمت وقالت : " ربنا هيجازيكم عشان إنتوا كده بتسعوا، وإن شاء الله ربنا هيرزقكم باللي يقدركم، متستسلموش أبداً، مهما تعبتوا، أنا بطلع الدور ال13 كل يوم تقريباً، ولما صاحبة البيت بتقولي أقعدي إرتاحي، بقولها أنا جاية هنا عشان شغلي، مش عشان أقعد وأرتاح. إبني مكانش عايزني أشتغل، بس قلتله : لو اللي بعمله ده حرام، يبقى ساعتها هقعد لوحدي . "

   نصحتنا بالقراءة أيضاً، وقالت أن مثلها الأعلى هو طه حسين، وياريت كل الشباب يبقوا زيه. وبعدين ياريت كل واحد يرضى باللي ربنا قسمه له في الشغل والدراسة، وكل حاجة، ولو مش عاجبه، لازم يسعى عشان يحسنه زي م هو عايز، محدش بيتولد في بوقه معلقة دهب " ..

  بتلك الكلمات البسيطة، التي خرجت من سيدة لم يرهقها عناء التعب، والتي رضت بقسمة الله لها في الحياة، ولم تمل أبداً من خدمة البشر، نسيت بذلك تماماً كل تعب، وإرهاق الطريق، وبالفعل شعرت بمعنى كلمة " الرضا والقناعة " في كلامها ..



                     

             .. ربنا يكرمها يارب ويقويها ويحسن خاتمتها ..



                                                              أنا..

تعليقات