الواحدة صباحا ..



اسمي " رانيا " خمسة وعشرون عاما ، أعمل في مركز الأرصاد الجوية في مدينة حلوان - القاهرة ، أنا من المنيا ، عزباء وأعيش في شقة مع صديقة لي في المدينة ، لدي سيارتي الخاصة التي تساعدني كثيرا في التنقل داخل القاهرة . لكن ، أنا الأن أعيش مع والدي في المنيا ، فقد تعرضت لصدمة منذ يومين ولن أعود للقاهرة ولا لمركز الأرصاد هذا ماحييت ، سأروي لكم ماحدث وأتمنى أن تفيدوني بأي تفسير . 


    التاريخ عشرون نوفمبر الفين وخمسة عشر ، في أحد الأيام وأنا في المركز ، تأخر بي الوقت ولم أدرك ذلك ، فقط سمعت هاتفي يرن وأحد العاملين بالمركز ينبهني بأن انتهي من أعمالي فورا فالساعة قاربت على الواحدة صباحا . ماذا الواحدة صباحا ؟ 

    جمعت أغراضي بسرعة وتوجهت مباشرة نحو سيارتي وانطلقت ، وأنا في الطريق أوقفتني فتاة تطلب النجدة ، خرجت من العدم أمامي مباشرة ، أوقفت دقات قلبي من الرعب ، نزلت وتوجهت اليها بهدوء . نظرت إليها عن قرب ، كانت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها تقريبا ، ترتدي جلباب أصفر أو أخضر على مايبدو ، لكنه ملطخ بالطين والوحل من كل مكان ، شعرها متجعد ومتناثر في كل مكان ، يملؤه أشياء غريبة لا أدري ماهي ، وحل ، أوساخ ، فتات قمامة ، لا أدري بالتحديد ماهو ، وجهها لا تظهر ملامحها من شعرها المنهال عليها بقاذوراته . تحمل في يدها طفل صغير في أشهره الأولى تقريبا ملفوف في خيش لونه بني ، كان الظلام لا يوضح الكثير من التفاصيل . 
- ما اسمك ؟ ومن هذا الطفل ؟ ومن فعل بك هذا ؟ هل تتحدثين ؟ 
- لايهم إسميييييي او عنواااااااني الأااااااان ، المهم أن " خليبع " يحتاج لرعاية . جثت على ركبتيها وتمسكت بملابسي أرجووووووووكي ساعديني . 
- قفز قلبي من مكانة وتوقف في مكان بعيد عندما لامستني ، في صرخة وسط الشارع طلبت منها أن تتركني وسأخذها لأي مكان تريد . 
- أنزلي يديكي عني فورا ، والأن أركبي السيارة في الكرسي الخلفي ، لكن لا تتحركي أبدا الى أن نصل ، مفهوم ؟ 
- مفهووووووووم .. 
- لماذا تقوليها هكذا ؟ 
- هذه هي طريقتيييييييي فييي الكلاااااام .
- حسنا ، من أنتي ؟ ومن يكون " خلي..." ما اسمه ؟ 
- إسمييييييييي " نمهارانا " وهذااااا " خليبع " أخي الصغييييييير يجب أن تحفظيييييي الإسم جيداااااااااا .
- حسنا " خلب...خليب ....خليبع "  
- من أين انتم يا " نمه .... " ما هذه الأسماء ؟ ذكريني بأسمك .
إقتربت مني وفي صرخة أفلتت مني جميع التحكم في أعصابي " نمهااااااااراااااااااااانااااااااااااا " .

   أوقفت السيارة فجأة ، إلتفت إليها و بصوت صارخ : لا تحدثيني بتلك الطريقة أبدا ، والا لن أوصلك لأي مكان ، وكفي عن الكلام وأنتي تطيلين في الحروف فهذا يدب الرعب داخلي .

   ساد الصمت داخل السيارة ، أنظر إلى شكلها المريب كل ثانية في المرآه ، كلما نظرت إليها يتوقف قلبي عن العمل وتنقطع أنفاسي من منظرها البشع ، أتذكر أنني لم أصل لأي مستشفى تلك الليلة المشؤمة ، فأخر ما أذكره يدها التي ملأ الطين أظافرها التي تشبة أنصال السكاكين تضعهما في رقبتي وشعرت بألم لم أعهده من قبل . 


    ربما أستيقظت في مكان ما ، لكن أول ماوقعت عليه عيني وشعر به إدراكي ، أنني في غرفة غريبة من الطين ملونة بالأصفر في مكان إنعدمت فيه الحضارة . جميع البيوت من الطين والعروق الخشبية ، كائنات تمشي بنصف مخلوق يشبه البشر . أنصاف بشر يسيرون في كل مكان ، ياللهول ما هذا ، أنظر للرجل الواقف أمامي أرى النصف ولا أستطيع أن أستوعب منظره ولا أنني هنا في المجهول . صرخت صرخة مدوية في المكان كله " عزةةةةةةةةةةةة " .. إسم صديقتي التي أعيش معها في حلوان ، وبدل أن أنال عقابي ، وجدت الغرفة تمتلئ بأنصاف البشر الذين يقفون مستغربين ويحدقون بي . 

   دب الرعب في قلبي من هؤلاء ، أرى نصفين من تلك الكائنات يقفان بجوار بعضهما فأرى إنسان عادي لكن بنصف مختلف . صفعني أحد المتواجدين وذهبت في غيبوبة من المطرقة التي نزلت بقوة 200 نيوتن على وجهي ، تلك المطرقة تدعى يد .

    حين إستيقظت وجدت نفسي في غرفة نوم تقريبا ، فأنا ممدة على سرير عادي جدا وعليه الكثير من المفارش الشتوية وأحتضن " خليبع " بجواري ، نهضت والفزع يدب أرجاء جسدي ، و جدت تلك الفتاة " نمهارنا " تقدم لي حساء عدس وتحثني على أكله ، بالطبع لم أتذوق منه رشفة .

  حاولت الحديث معها ، لكن لا يوجد رد ، سمعت أصواتا عجيبة تصدر في الخارج ، أصوات صراخ وتهليل ، تخيلت نفسي أقف على حطب والجميع يدور حولي منتظرين تقديمي قربان لإله الجهل هناك أو شئ من هذا القبيل وسيشعلون النار بي قريبا . قفزت من على السرير ونظرت للخارج وجدت الجميع في نقاش ! ياإلهي ، حتما يتآمرون علي .

   
   طابع أفلام الرعب الذي يترك أثرا كبيرا في نفوسنا ، يشعرنا بروح المغامرة عند نتفيذه على أرض الواقع ، وهذا ما حدث معي حين رأيت نافذة في الغرفة ، حاولت التسلل منها ، لكني ما أن نظرت في الخارج ، و إذا بكم هائل من أنصاف البشر يقف في الخارج . 
 
   انتظرت ساعة ،، ساعتين ،، ثلاث ساعات ،، وجدت تلك الفتاة " نمهارنا " تقف على باب الغرفة وتشير الي بأن أخرج من الغرفة ، خرجت معها ووجدت سيارتي تقف في المكان القديم هذا . ركبتها وركبت الفتاة معي وغرست أظافرها في رقبتي مرة أخرى ، وها أنا الآن أعود إلى الشارع في حلوان مرة اخرى عند الساعة الواحدة ونصف صباحا . يبدو أنني قدمت الرعاية الكافية للطفل وكان جزائي بأن أعود لعالمي مرة أخرى . 




 الشئ الذي لم أفهم له تفسير بجانب كل ما حدث ، هو كيف هذه الفتاة " نمهارانا " تبدوا مثلنا كالبشر كاملة وليست انصاف مثلهم هي والطفل الذي تدعي أنه أخوها ؟؟




تعليقات